كيف تخفي شركات النفط والغاز انبعاثات الميثان؟

انبعاثات الميثان تلوث أجواء قمة المناخ COP29

تقرير: باسل محمود

على شواطئ بحر قزوين، وعلى بعد أميال قليلة من موقع قمة المناخ COP29 في باكو، تتصاعد أعمدة من غاز الميثان من مواقع نفط وغاز قريبة، بحسب فايننشال تايمز.

بفضل تقنيات الاستشعار الحديثة على متن محطة الفضاء الدولية، رصدت منظمة \”كاربون مابر\” انبعاثات تبين لاحقًا أنها صادرة من منشآت نفطية وغازية، فرغم الاهتمام المتزايد بخفض انبعاثات هذا الغاز السام والمسبب للاحتباس الحراري، ما تزال الشركات النفطية، تجد وسائل لتجنب المساءلة، أو حتى التقليل من أهمية انبعاثاتها.

الميثان يُفاقم أزمة الاحتباس الحراري

يعد الميثان أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري، حيث يتميز بقدرته على حبس الحرارة بأكثر من 80 ضعفًا مقارنةً بثاني أكسيد الكربون على مدى 20 عامًا، كما يُسهم في تكوين الأوزون الأرضي، ويؤدي إلى أزمات صحية تتسبب في وفاة مليون شخص سنويًا. ورغم قصر مدة بقائه في الغلاف الجوي، فإن تأثيره على المناخ قوي يُسهم بنحو 30% من الاحترار العالمي منذ الثورة الصناعية.

كانت انبعاثات الميثان تُعد مشكلة مستعصية بسبب عدم وجود تقنيات كافية لرصدها بشكل دقيق؛ فهو غاز عديم اللون والرائحة، مما يجعل من الصعب اكتشافه دون معدات متخصصة.

ومع دخول تقنيات الاستشعار الفضائي وأجهزة استشعار متطورة، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على حجمه وتأثيره، إلّا أن التحدي الرئيسي، يكمن في أنَّ الشركات لا تُفصح عن كامل أرقام انبعاثاتها، مما يزيد صعوبة تتبع آثار الميثان بدقة.

استراتيجيات لإخفاء انبعاثات الميثان

تستخدم شركات الطاقة عدة أساليب لتقليل الشفافية حول انبعاثاتها من غاز الميثان، فقد أثبتت التحقيقات أنَّ بعض الشركات تتعمد إطلاق الغاز لأسباب متنوعة، بينما في حالات أخرى يتم \”حرقه\” ليبدو وكأنه تم التخلص منه بفعالية، لكن هذا لا يُلغي تمامًا الآثار البيئية الخطيرة له.

يشير \”إريك كورت\”، أستاذ علوم المناخ، إلى أنَّ قطاع النفط والغاز يُخفي جزءًا كبيرًا من الانبعاثات التي يُصدرها من خلال عدم تضمينها في تقاريره الرسمية، ما يزيد من الغموض حول حجم الانبعاثات الحقيقية.

قد يهمك أيضًا: النرويج تدشن أكبر مزرعة رياح بحرية عائمة في العالم

التزامات عالمية وتحديات الرقابة

تحت شعار \”التعهد العالمي لخفض الميثان\”، أطلقت أكثر من 150 دولة مبادرة في قمة COP21 لخفض انبعاثات الميثان بنسبة 30% بحلول 2030، إلا أنّ البيانات تُظهر أنَّ الانبعاثات مستمرة في الارتفاع، خاصةً وأنّ غياب التشريعات الدولية الصارمة على مراقبة انبعاثات الميثان يشكل عائقًا أمام تحقيق هذه الأهداف.

في خطوة غير مسبوقة، أقرَّت دول الاتحاد الأوروبي لوائح جديدة للحدِّ من انبعاثات الميثان، حيث إنّها تلزم الشركات بمراقبة التسريبات وإصلاحها فورًا، في حين ما تزال العديد من الدول الأخرى تتبع معايير أقلّ صرامة.

دور التقنيات الجديدة في كشف الحقيقة

قامت \”كاربون مابر\” وغيرها من الجهات بإطلاق أقمار صناعية متخصصة لرصد الانبعاثات الغازية، وذلك بهدف كشف أرقام دقيقة لانبعاثات الميثان، ومع زيادة التقنيات المستخدمة بدأت تظهر مواقع تسرُّب جديدة غير معروفة في مناطق مثل سوريا وتكساس.

لكن يبقى السؤال: هل ستحرك هذه الأرقام الشركات والحكومات بسرعة كافية للحد من الأزمة؟ يرى \”بول بليدسو\”، المستشار السابق للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، أن شفافية البيانات هي المفتاح لإلزام الشركات بتغيير سلوكياتها.

اقرأ أيضًا: كيف يؤثر تحرير سوق الكهرباء في المغرب على المواطن؟

كيف تتجنب الشركات المسؤولية؟

تقوم شركات النفط والغاز بحرق كميات كبيرة من الميثان لتقليل حجمه وتحويله إلى ثاني أكسيد الكربون، إلّا أن عمليات الحرق لا تكون فعّالة دائمًا، وهذا يتسبب في إطلاق كميات كبيرة من الميثان غير المعالجة.

يقول مارك ديفيس، الرئيس التنفيذي لشركة \”كابتيريو\”، إنَّ 7% من الغاز المُنتج يضيع عبر التسريبات أو الحرق أو الإطلاق العمدي، وأنَّ احتواء هذا الغاز وبيعه قد يؤدي إلى عائدات ضخمة تصل إلى 50 مليار دولار سنويًا، لكنَّه يتطلب استثمارات كبيرة لا ترغب الشركات بتحمُّلها.

تسرب الميثان: تدهور منشآت النفط والغاز يفاقم الأزمة

العديد من منشآت النفط والغاز الحالية تعمل منذ عقود، وهي تعاني من تدهور البنية التحتية؛ ما يسهم في ارتفاع معدلات التسرب، حيث إنّ المنشآت والمعدات المتهالكة تعد سببًا رئيسًا في المشكلة، لا سيما في الدول الفقيرة والخاضعة لعقوبات، مثل فنزويلا وإيران، علمًا أنّ بعض الشركات اختارت عدم إصلاح هذه التسريبات بسبب تكلفتها، بل إنّها فضّلت التوسع في الإنتاج بدلاً من ذلك.

وفي المقابل، دعمت حوالي 50 شركة في قطاع النفط والغاز مبادرات لخفض انبعاثات الميثان إلى مستويات قريبة من الصفر، خاصةً في مراحل الإنتاج الأولية، وتعهّدت بالحد من عمليات الحرق الروتيني بحلول عام 2030.

اقرأ أيضا: التغير المناخي يكلف الاقتصاد العالمي 2 تريليون دولار خلال عقد

تكلفة المشكلة الاقتصادية والاجتماعية

تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أنَّ انبعاثات الميثان في قطاع النفط والغاز ما تزال عند مستويات مرتفعة، حيث يفوق حجمها ما نسبته 70% عمَّا هو مُعلن من قبل بعض الدول، كما بينت دراسة أجريت في الولايات المتحدة أنَّ انبعاثات الميثان في عدة مناطق نفطية أكبر بثلاث مرات مما تقدره الحكومة.

وبحسب الأبحاث، فإن خسائر انبعاثات الميثان لا تقتصر على البيئية، بل تشمل أضرارًا صحية واقتصادية ضخمة، مثل تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، كما أنّها تؤثر على جودة الهواء والصحة العامة، وتُلحق أضرارًا بالممتلكات، فضلًا عن تكلفتها التي تقدّر بنحو 9.3 مليار دولار سنويًا.

الدور المتعاظم للتكنولوجيا في المراقبة

بدأت شركات مثل \”إيرث ووركس\” و\”كاربون مابر\” باستخدام أنظمة مراقبة مستمرة للانبعاثات، حيث أظهرت بعض التحقيقات أن الأجهزة المستخدمة في الكشف عن التسريبات كانت فعالة جزئيًا فقط.

في مثال من ولاية كولورادو الأميركية، رصدت أجهزة المراقبة انبعاثًا واحدًا فقط، بينما سجل الباحثون 23 حادثًا إضافيًا باستخدام معدات متطورة. ومن هنا تأتي أهمية التعاون بين الحكومات والشركات البيئية لضمان رقابة أشمل وتطبيق صارم على الشركات المخالفة.

اقرأ أيضًا: لماذا لا يشتري أحد تقريباً الهيدروجين الأخضر؟

هل من سبيل لمستقبل أنظف؟

مع تعهد الدول بالتعاون، مثل مبادرة البنك الدولي لمنع الحرق الروتيني للغاز بحلول 2030، تزداد الآمال في خفض الانبعاثات، إلَّا أن التطبيق الفعلي لهذه التعهدات يتطلب التزامًا أكبر من قبل الشركات والدول.

وفقًا للبنك الدولي، فإن الكمية الحالية من الغاز المحترق سنويًا تكفي لتلبية احتياجات الطاقة لأفريقيا جنوب الصحراء بالكامل، لكن حتى الآن لم يتم تطبيق هذا الحل بشكل واسع، وهو ما يتطلب إرادة سياسية واستثمارات ضخمة في البنية التحتية.

تظل مشكلة انبعاثات الميثان قضية بيئية ملحّة تحتاج إلى تدخل دولي فوري، إذ إنّ استمرار الشركات في العمل بعيدًا عن الرقابة والمساءلة سيزيد من حدة الأزمة البيئية، ومع تسارع الابتكار في تقنيات الكشف يبقى الأمل في أن تقود هذه الأدوات الجديدة إلى تحقيق شفافية أكبر، بحيث تضطر شركات الطاقة إلى تبني ممارسات أكثر استدامة تحمي كوكبنا للأجيال المقبلة.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading